اختلف المفكّرون والمنظّرون حول ما إذا كانت الوظيفة المثاليّة للفنّ هي المساهمة في صناعة واقع أخلاقيّ وحضاريّ أفضل للبشريّة، أم أنّ وظيفته هي تصوير الواقع الإنسانيّ بما فيه من جمال وقبح وإيجابيات ومعايب كما هي، ذهب المحافظون إلى الرّأي الأول، لكنّ أكثر الفنّانين ذهبوا إلى الرّأي الثاني . فعبر التّاريخ البشريّ نقلت لنا رسومات الكهوف والتّماثيل واللوحات الزيتيّة وقصائد الشّعر صورة عميقةً للإنسانيّة كما رآها وأحسّ بها الفنّانون .
يقول المفكّر علي عزّت بيجوفتش : ” العلم يسعى إلى اكتشاف القوانين واستخدامها، أمّا العمل الفنّي فإنّه يعكس النّظام الكوني دون أن يستفسر عنه ” .
لطالما أشغلت القضايا الوجوديّة والأخلاقيّة كالموت والحياة والجريمة والحبّ عقول الفنّانين وحواسّهم، وكان الانتحار أحد هذه القضايا الّتي نالت نصيبًا كبيرًا من الأعمال الفنّيّة، في هذا المقال سأستعرض بعض قصص الانتحار الشّهيرة الّتي اهتمّ بها الفنّانون في أعمالهم، وأتحدّث عن دوافع انتحار أصحابها .
أسطورة انتحار البطل الإغريقيّ أياكس :

أمفورا من السّيراميك من عمل ” إقزاكياس” تعود لعام ٥٤٠ قبل الميلاد، تصوّر اللحظات الّتي سبقت انتحار أياكس

لوحة تصوّر انتحار أياكس للفنّان الألماني وليام بور ١٦٠٠ – ١٦٤٢
ربّما تكون قصّة أياكس – أو أياس كما يُكتب اسمه بالعربيّة – هي أكثر قصص الإنتحار الّتي حازت على اهتمام الفنّانين حتّى الآن على الإطلاق، وقد تنوّعت الأعمال الّتي تناولتها بين الخزفيّات والمنحوتات إلى اللوحات الرسوميّة بأنواعها،وكانت حاضرة بشدّة في نصّ إلياذة / ملحمة هوميروس .
أياكس هو بطلٌ شديدٌ وشجاع ذو مهاراتٍ قتاليّة عاليّة ويُوصف بأنّه أقوى رجال الإغريق حتّى أنّ الإلياذة تذكر أنّه لم يُجرح في أيٍّ من المعارك الّتي خاضها، شارك في معركة طروادة حيث اشتُهر بمبارزته لوليّ عهد طروادة الأمير هيكتور مرّتين، تعادلا في المرّة الأولى فأهدى أياكس مبارزه وشاحًا وأهدى له هيكتور سيفًا حادًا .
بعد انتهاء المعركة وانتصار الإغريق، قُتل القائد المحارب أخيل، فتنازع أياكس وأوديسيوس حول ميراثه ( درعه )، حكم أبطال الإغريق بأن يتنافس الاثنان للحصول عليه، فانتصر أوديسيوس في المسابقة وسقط أياكس أرضًا مغشيًا عليه .
استيقظ أياكس وقلبه مملوءٌ بالسّخط والشّعور بالظلم، فقتل قطيعًا من الخرفان – تحت تأثير إله الإغريق أثينا – ظانًا بأنّهم القادة الّذين منحوا أوديسيوس درع أخيل، لكنّه عندما عاد إلى رشده واكتشف ما فعله، تناول السّيف الّذي كان قد أهداه إيّاه هيكتور وطعن نفسه منتحرًا !
لقد شعر بأنّه ارتكب خطأً لا يمكن التّراجع عنه ولا التوبة منه حين رآى دماء الخرفان تغطّي يديه، فحاصره الشّعور بالعاروالنّدم وتدنيس شرف المحارب القوميّ الّذي كانه، ثمّ إنّ في استخدام السّيف الّذي أهداه إيّاه الأمير هيكتور دلالةً رمزيّة عميقة، وكأنّه يشير إلى أنّ عظمته الّتي غُرّ بها هي من قتلته .
يوضّح أريك أوفر في كتاب المؤمن الصّادق بأنّ الفقراء لا يصنعون ثورة عادة، بل يصنع الثورات أولئك الأغنياء الّذين انقلبوا إلى الفقر، وقياسًا عليه يمكن القول بأنّ الضّعفاء لا ينتحرون عادةً، بل ينتحر الأقوياء الّذين يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة ضعفهم البشريّ، إياكس كان بطلاً معتدًا بنفسه يشعر ببداهة أحقّيته في الحصول على شيء عظيم مثل درع أخيل، وكأنّه تخيّل لوهلة أنّه إله، لكنّه يكتشف بعد قتله قطيع الخرفان بأنّه كان ضعيفًا أمام رغبته، ضعيفًا أمام أوديسيوس .
إنّ أسطورة أياكس تختزل – في ظنّي الشخصيّ – مشاعر بشريّة كثيفة تفسّر إقدام النّاس على جريمة الانتحار، فلا غرابة إذًا في هذا الزّخم الفنّي حولها .



