تاريخ الانتحار في الفنون

اختلف المفكّرون والمنظّرون حول ما إذا كانت الوظيفة المثاليّة للفنّ هي المساهمة في صناعة واقع أخلاقيّ وحضاريّ أفضل للبشريّة، أم أنّ وظيفته هي تصوير الواقع الإنسانيّ بما فيه من جمال وقبح وإيجابيات ومعايب كما هي، ذهب المحافظون إلى الرّأي الأول، لكنّ أكثر الفنّانين ذهبوا إلى الرّأي الثاني . فعبر التّاريخ البشريّ نقلت لنا رسومات الكهوف والتّماثيل واللوحات الزيتيّة وقصائد الشّعر صورة عميقةً للإنسانيّة كما رآها وأحسّ بها الفنّانون .

يقول المفكّر علي عزّت بيجوفتش : ” العلم يسعى إلى اكتشاف القوانين واستخدامها، أمّا العمل الفنّي فإنّه يعكس النّظام الكوني دون أن يستفسر عنه  ” .

لطالما أشغلت القضايا الوجوديّة والأخلاقيّة كالموت والحياة والجريمة والحبّ عقول الفنّانين وحواسّهم، وكان الانتحار أحد هذه القضايا الّتي نالت نصيبًا كبيرًا من الأعمال الفنّيّة، في هذا المقال سأستعرض بعض قصص الانتحار الشّهيرة الّتي اهتمّ بها الفنّانون في أعمالهم، وأتحدّث عن دوافع انتحار أصحابها  .

أسطورة انتحار البطل الإغريقيّ أياكس :

أمفورا من السّيراميك من عمل ” إقزاكياس” تعود لعام ٥٤٠ قبل الميلاد، تصوّر اللحظات الّتي سبقت انتحار أياكس

لوحة تصوّر انتحار أياكس للفنّان الألماني وليام بور ١٦٠٠ – ١٦٤٢

ربّما تكون قصّة أياكس – أو أياس كما يُكتب اسمه بالعربيّة – هي أكثر قصص الإنتحار الّتي حازت على اهتمام الفنّانين حتّى الآن على الإطلاق، وقد تنوّعت الأعمال الّتي تناولتها بين الخزفيّات والمنحوتات إلى اللوحات الرسوميّة بأنواعها،وكانت حاضرة بشدّة في نصّ إلياذة / ملحمة هوميروس .

أياكس هو بطلٌ شديدٌ وشجاع ذو مهاراتٍ قتاليّة عاليّة ويُوصف بأنّه أقوى رجال الإغريق حتّى أنّ الإلياذة تذكر أنّه لم يُجرح في أيٍّ من المعارك الّتي خاضها، شارك في معركة طروادة حيث اشتُهر بمبارزته لوليّ عهد طروادة الأمير هيكتور مرّتين، تعادلا في المرّة الأولى فأهدى أياكس مبارزه وشاحًا وأهدى له هيكتور سيفًا حادًا .

بعد انتهاء المعركة وانتصار الإغريق، قُتل القائد المحارب أخيل، فتنازع أياكس وأوديسيوس حول ميراثه ( درعه )، حكم أبطال الإغريق بأن يتنافس الاثنان للحصول عليه، فانتصر أوديسيوس في المسابقة وسقط أياكس أرضًا مغشيًا عليه .

استيقظ أياكس وقلبه مملوءٌ بالسّخط والشّعور بالظلم، فقتل قطيعًا من الخرفان – تحت تأثير إله الإغريق أثينا – ظانًا بأنّهم القادة الّذين منحوا أوديسيوس درع أخيل، لكنّه عندما عاد إلى رشده واكتشف ما فعله، تناول السّيف الّذي كان قد أهداه إيّاه هيكتور وطعن نفسه منتحرًا !

لقد شعر بأنّه ارتكب خطأً لا يمكن التّراجع عنه ولا التوبة منه حين رآى دماء الخرفان تغطّي يديه، فحاصره الشّعور بالعاروالنّدم وتدنيس شرف المحارب القوميّ الّذي كانه، ثمّ إنّ في استخدام السّيف الّذي أهداه إيّاه الأمير هيكتور دلالةً رمزيّة عميقة،  وكأنّه يشير إلى أنّ عظمته الّتي غُرّ بها هي من قتلته .

يوضّح أريك أوفر في كتاب المؤمن الصّادق بأنّ الفقراء لا يصنعون ثورة عادة، بل يصنع الثورات أولئك الأغنياء الّذين انقلبوا إلى الفقر، وقياسًا عليه يمكن القول بأنّ الضّعفاء لا ينتحرون عادةً، بل ينتحر الأقوياء الّذين يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة ضعفهم البشريّ، إياكس كان بطلاً معتدًا بنفسه يشعر ببداهة أحقّيته في الحصول على شيء عظيم مثل درع أخيل، وكأنّه تخيّل لوهلة أنّه إله، لكنّه يكتشف بعد قتله قطيع الخرفان بأنّه كان ضعيفًا أمام رغبته، ضعيفًا أمام أوديسيوس .

إنّ أسطورة أياكس تختزل – في ظنّي الشخصيّ – مشاعر بشريّة كثيفة تفسّر إقدام النّاس على جريمة الانتحار، فلا غرابة إذًا في هذا الزّخم الفنّي حولها .

انتحار لوكريشا :

Read the full post »

قطعتين من اللحم، للوعظ !

انتشر في تويتر قبل أيّام تصميم نُسب زُورًا لملتقى الحشمة في مدينة حائل، أثار غضبًا واستياءً عارمًا تجاوز حدود المملكة، وأصبح الجميع يتحدّث كالمجانين عن سوء أساليب الوعظ الدّيني واحتقاره للمرأة وتسفيهها، ذلك أنّ التّصميم يصوّر امرأة ترتدي تنوّرة قصيرة وبلوزة عارية كلحمة معلّقة في واجهة جزّار، وقد كُتب عليه بالخطّ العريض: كاسيات عاريات !

سأكون صادقة، لم أهتمّ بأمر التّصميم ولم يزعجني أبدًا، ببساطة أدركت منذ البداية أنّ مصمّم الصّورة ذكيّ ومحترف بشكل لا ينسجم مع توقيعه أو حتّى مع أسلوبه الوعظيّ البسيط، ما أزعجني هو ردود الفعل الّتي هاجمت الملتقى بتخبّط دون أن تفكّر للحظة بأنّ الشّعار قد يكون ملفّق – وهو ما كان بالفعل – !

فيما بعد ظهر أحد الإخوة ووضّح بأنّ التّصميم يعود إلى منظّمة أجنبيّة شعارها: لا تتعامل مع المرأة كقطعة لحم، وما إن انتشرت تغريدته وانكشف السرّ حتّى هدأ الهاشتاق، لم يهاجم أحدٌ تلك المنظّمة الأجنبيّة، ولم يعتذر أحد إلى الّذين هاجمهم بأقذع الألفاظ دون وعي، انسحب النّاس بهدوء، وبدأت أتساءل: لماذا لا يثير شعارًا كهذا ردود فعل سلبيّة في الوسط الغربيّ مثلما يحدث عندنا ؟ ثمّ إنّ الشّعار هو الشّعار، والفكرة هي الفكرة، فلماذا تكون ردّة الفعل متشنّجة فقط لأنّ شخصًا من التيّار الإسلاميّ قد وضعه – على افتراض أنّه شخص منتمٍ لهذا التيّار فعلاً – !

أولاً / إنّنا مصابون حتّى عظامنا بعقدة الخواجة، الفكرة الغربيّة لا يمكن أن تكون خاطئة خصوصًا في ما يتعلّق بحقوق المرأة، لدينا تصوّر مسبق بأنّ المرأة في المجتمع الغربيّ تُحترم إلى الدّرجة الّتي يستحيل معها أن تُهان بتصويرها كقطعة لحم رخيصة، ممّا يدفع عقلنا الباطن إلى تقبّل التّصميم والنّظر إليه بإيجابيّة طالما أنّه من منظّمة غربيّة، هذا التصوّر مضحك جدًا، جولة واحدة في الإعلانات التلفزيونيّة أو المصوّرة يكشف لنا عن هوس الثقافة الغربيّة بجسد المرأة واستخدامه الاستهلاكيّ الّذي يتماشى مع هذه الثقافة المادّيّة التّعيسة .

المرأة في الثقافة الغربيّة الحداثيّة هي جسد، ولكنّه جسد جميل جدًا، ربّما أجمل من أيّ وقتٍ مضى في العصور البشريّة، هذا الجمال المادّي يُصوّر لنا وكأنّه ” احترام “، غير أنّ حقيقته ” استهلاك “، ومن الأمور الطّريفة الّتي صادفتها هو أنّ فتاة سعوديّة من الفيمينيست في تويتر قالت مرّة بأنّ الأديان الإبراهيميّة لا تحترم المرأة، ثمّ وضعت بعد فترة فيديو لملكات جمال أمريكا وهنّ يشتركن في أغنيّة واحدة يرتدين في بعض مقاطعها ” البكّيني ” وكتبت أعلى الرّابط : أدمنت هذه الأغنية، جمال على جمال !

سأعترف بأنّني سخرتُ من هذه الفتاة، ربّما وأشفقتُ عليها أيضًا، لأنّها تتخيّل بأنّ النساء الجميلات الضّاحكات مُكرّمات دائمًا، وبأنّ المرأة المحبوسة الذابلة هي المُهانة وحدها، أنا أجد بأنّ الثقافة الغربيّة تتفوّق في هذا الجانب نفعيًا لا أكثر، بما في النّفعيّة من إيجابيّات وسلبيّات، وليس لهذا الأمر علاقة بتكريم المرأة، لم يكن الاستغلال أو استلاب الرّوح لحساب التلذّذ بالجسد تكريمًا أبدًا .

ثانيًا / شعار المنظّمة الأجنبيّة وإن كان يصوّر المرأة كقطعة لحم، إلاّ أنّه يُوجّه نصيحته إلى الرّجل: لا تعامل المرأة كقطعة لحم ! حتّى ولو كانت ترتدي ملابسًا فاضحة فهي تظلّ إنسانة في نهاية الأمر، لذلك فقطعة اللحم موجودة في ذهنيّة الرّجل لا في جسد المرأة، وهذا التّفكير يقف في صفّ المرأة متعاطفًا لا في صفّ الرّجل، ممّا لا يثير حفيظة من يشاهده، على عكس استخدام نفس الصّورة بالطّريقة الّتي نُشرت في تويتر، فالحديث موجّه إلى المرأة وهذا كفيل باستفزاز المتلقّي / المتلقّيّة، وفي ظنّي أنّ طريقتي التّفكير – الغربيّة والوعظيّة – خاطئة .

Read the full post »

كتاب قبل النّوم

عندما كنتُ طفلة، كانت جدّتي تضع بين سريري وسرير ابنة خالّتي – الّذين يشكلان معًا حرف L – كرتونًا متوسطًا جمعت فيه مجلاّت الأطفال الخاصّة بأمّي وخالاتي، وكنتُ كلّما أردتُ النّوم أمدّ يدي الصّغيرة إلى الخلف وألتقط مجلّة أبدأ بقراءتها حتّى يغلبني النّعاس فأرميها في الكرتون .

كان الكبار يشجّعوننا على القراءة، لم تنهرني جدّتي قطّ إلاّ حين كنتُ أصطحب معي عددًا من مجلّة ماجد إلى طاولة الطّعام البلاستيكيّة، هكذا تعلّمتُ القراءة قبل دخول المدرسة، وهكذا تعرّفتُ على حرب الخليج الثّانية وقصص فلسطين المحتلّة واسم إسحاق رابين . حين كبرتُ قليلاً أصبح للمجلاّت ركنًا خاصًا في مكتبة المنزل المطليّة باللون الأبيض، وكانت سميّة – ابنة خالتي – ترتّب المجلاّت مصنّفةً حسب ألوانها، لكنّني استمرّيتُ بجلبها معي إلى السّرير .

.

.

في المرحلة المتوسطة أعطتني ابنة عمّتي نسختين من سلسلة روايات جيبيّة للرعب، أخذتها إلى سريري وقرأتها، ظللتُ لأيّام طويلة أعاني من اضطّرابات في النّوم، حين اكتشفت أمّي أمر الرّوايات مزّقتها في سلّة المهملات، لا أدري إن كان تصرّف أمّي صحيحًا، لكنّها كانت خائفةً ممّا يحدث لي، لم أصدّق أبدًا بأنّ هذه الرّوايات فعلت بي ذلك .

وفي المرحلة المتوسطة كذلك أدمنت قراءة مجلّة المجلّة ومجلّة الشرق الأوسط، وكنتُ تعودتُ على جلبهما معي إلى السّرير، لم أكن أنتبه إلى أنّني لا أنام بشكل جيّد وأنّ الكوابيس تجثم عليّ حتّى قرأتُ تحقيقًا مصورًا عن أحداث سجن أبوغريب في مجلّة المجلّة ثمّ استسلمتُ للنوم، لكنّ شعورًا لزجًا بالرّغبة بالبكاء والتقيّء أيقظني، كنتُ أفهم بأنّ البكاء والتقيّء أسهل بكثير من إلحاح النّفس على اقترافهما دون جدوى، ووقع بصري على المجّلّة وفهمتُ سبب ما حدث لي، ثمّ اتّخذتُ قرارًا بعدم جلب المجلاّت السياسيّة إلى السّرير، والعودة إلى قراءة مجلاّت ديزني وماجد قبل النّوم، أدركتُ بعد هذا القرار بأنّني لم أكن أنام نومًا طبيعيًا قبل اتّخاذه !

. Read the full post »

أنا والكروشيه ..

كان ذلك منذ عدّة أشهر، عندما أخبرتُ سمر – صديقة الجمال والأفكار الخلاّقة – بأنّني مللتُ كون إنجازاتي اليوميّة كلّها تتعلّق بافتراضات لا أستطيع لمسها بيدي أو شمّها أو صبغها بألوان حيّة: أنا أقرأ، وأكتب، وأبرمج، وأثرثر، وأصمّم واجهات .. لكنّي لا أستطيع لمس كلّ ذلك، إنّه إمّا موجود في عالم غيبيّ أو في عالم افتراضي !

أحتاج إلى إنجاز ملموس، يمنحني الإحساس بأنّ أصابعي لا تزال حيّة، أحمله إلى صديقاتي، يبعدني عن هذه التقنيات القاتلة قليلاً، أخبرتها بأنّي أحسدها لأنّها تحمل كاميرا بينما التّصوير شيء لا يروقني، وبأنّها رسّامة بينما حُرمت أنا من مهارة اللعب مع القلم والفرشاة، كنتُ محبطة من نفسي .. أشعر بالفشل، قالت لي سمر حينها : جرّبي الخياطة أو الكروشيه، فضحكت .. تذكّرتُ أمّي وهي تقول لي : الخياطة لا تناسبكِ، إنّها تحتاج إلى صبر عظيم وهذا معدوم لديكِ !

في النّهاية أقنعتني سمر بتجربة الكروشيه، اللعب بكرات الصّوف الملوّنة وعمل قبعات وحقائب صغيرة وهدايا للصديقات بها، أخبرتُ أمّي عن نيّتي فضحكت: إحسان كم مرّة قلت لكِ بأنّ هذا لا يناسبك ! أنتِ صبورة في البرمجة .. البرمجة فقط، أمّا التّعامل مع الإبرة فهو يحتاج إلى فتاة أخرى لا تشبهكِ، أتحدّى لو استطعتِ عمل الغرزة البدائية !

ومع ذلك فقد ذهبت أمّي إلى السّوق، جلبت لي كرات الصّوف الصفراء والوردية والبيضاء والزرقاء، وعلبة يابانية تحمل سنّارات بمقاساتٍ سبع، وقفتُ أمامها مثل طفلة، شعرتُ بالانتشاء وبأنّني حصلتُ على هوايةٍ تُلمس باليدين، بقيَ أمامي الآن أن أتعلّم، كتبتُ في تويتر عن نيّتي وعمّا إذا كان هناك من ستشاركني التعلّم، كان حماس الصّديقات قصيرًا، في النّهاية لم يشاركني أحد :(

Read the full post »

تأمّلات في سورة هود ( ٢ )

” وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ “

لم أستطع أن آخذ آية من هذه القصّة وأترك أخرى، هذه الآيات مدهشة .. عميقة .. ممتلئة بإبراهيم عليه السّلام !

إبراهيم آسرٌ جدًا في علاقته مع الله عزّ وجلّ، إنّه خليله الّذي كان ” أمّةً ” بين النّاس، وكلّ آية تتحدّث عن إبراهيم في القرآن عليك أن تكرّرها ألف مرّة في نفسك حتّى تلمس هذه الرّوح التوّاقة إلى ربّها، المتلهّفة لمعرفته .. الرّوح الصّادقة المتحرّرة ممّا يعبد الآباء، الرّوح الّتي كان أوّل ما آمنت به أنّ الله لا يأفل كما تأفل النّجوم والكواكب، ثمّ اصّاعد إيمانها حتّى كان أن وضعت السكّين على نحر الابن استجابة لهذا الإله الّذي لا يأفل !

وإبراهيم آسرٌ أيضًا في علاقته مع النّاس، لقد جعلني أؤمن بأنّه ما من شخص يحاول إصلاح علاقته مع الله إلاّ أصلح علاقته مع النّاس، وإبراهيم كان رحيمًا بقومه مشفقًا عليهم لم يتعرّض لهم ولو بدعوة ساخطة، وفي هذه الآيات تتجاوز رحمته قومه إلى قوم لا يعرفهم، ليس بينه وبينهم صلة نسب أو مصاهرة أو معاشرة، إنّما هي الرّحمة الإنسانيّة الخام !

تخيّل المشهد، الملائكة يبشّرونه وزوجه بإسحاق ويعقوب، سارة تضحك بشدّة متعجّبة من هذه المعجزة وإبراهيم مذهول بما يحدث، لكنّه ينشغل عنها وكأنّه أمر لا يخصّه .. ينشغل عن نفسه وزوجه .. ينشغل عن الحلم الجميل .. ينشغل بمجادلة الملائكة حول تعذيب قوم لوط : فلمّا ذهب عن إبراهيم الرّوع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط، هذه الجملة .. يا الله ماذا تفعل بي هذه الآية !

لقد حقّق الله لإبراهيم أمنية قديمة : فلمّا ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى، فكان ردّ إبراهيم أنّه : يجادلنا في قوم لوط ! كيف يفهم النّاس خصوصيّة تلك العلاقة بين هذا الرّجل وربّه، حتّى أنّ الله لم ينسب جدل إبراهيم إلى الملائكة بل نسبه إلى نفسه وكأنّه يدخل مع الله في حوار ! لأنّ إبراهيم لم يجادل في حكم الملائكة – فالملائكة رسل الله فحسب – لكنّه جادل في حكم الله، لعلّه أراد من الله أن يمنحهم فرصة أخرى، أو لعلّه أراد أن يؤخّر عنهم العذاب، أو ربّما أراد أن يغفر لهم إسرافهم !

ماذا كان ردّ الله عليه ؟ هل عاتبه أو عنّفه لأنّه يعترض على مشيئة الله ؟ لا، بل إنّه وصفه بأجمل وأرقّ ما يُوصف إنسان : إنّ إبراهيم لحليمٌ أوّاه منيب … ياااااااه !

أين أولئك الّذين يفرحون بذنوب الآخرين ويتعطشون لتعذيبهم ومعاقبتهم بل وربّما قتلهم من رحمة نبي الله إبراهيم؟ كيف يتجاوزونه ويتجاوزون أخلاقه الحنيفيّة بهذه الصورة الفجّة ! إنّ قوم لوطٍ كما جاء في القرآن كانوا مسرفين في معاصيهم وذنوبهم، ومع ذلك استشفع لهم إبراهيم وتمنّى لو كان بيده إيقاف العذاب عنهم .. يا الله .. من أيّ شيء خلقت روحه الطّاهرة ؟

ثمّ أمره الله بلطف أن يعرض عن هذا الأمر، لأنّ عذاب الله قد قُدّر عليهم ولا رادّ له، ولفظ ” أمر ربّك ” يدعو إلى التأمّل، إذ أنّه ليس بيننا الآن إبراهيم يوحي إليه الله بحكمه وينزّل عليه الملائكة، إنّما معنا كتاب الله للاجتهاد في تحقيق حكمه على الأرض، لكنّ المشكلة هي أنّ فهمنا لهذا الكتاب يتفاوت حدّ التّناقض، وكلاّ يدّعي أنّ أمره هو ” أمر ربّك ” !

تأمّلات في سورة هود ( ١ )

تأمّلات في سورة هود (١)

كنتُ صغيرة حين قرأتُ لأوّل مرّة قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ” شيّبتني هود وأخواتها “، أظنّ أنّ ذلك كان في بطاقة للأسئلة والمعلومات حول ( أخوات هود )، أمّا أخواتها فهنّ المرسلات والتكوير والواقعة وعمّ، سورٌ قصيرة اعتدنا على قراءتها أو حفظها صغارًا، وأمّا هود فقد كانت سورة بعيدة عن إدراكي، طويلة وصعبة بالنّسبة لطفلة، لم أعرف حينها – ربّما لم أتساءل كثيرًا حتّى – لماذا شيّبت هودٌ محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم ؟ قِيل لي بسبب اشتمالها أهوال القيامة أو قصص الأنبياء وأحوالهم، ولم أقتنع بتلك الإجابة، فليست هودٌ وحدها من احتوت ذلك، ومع هذا لم أعطِ السّورة أيّ اهتمام لسنين عديدة !

لكنّ الله يحبّني ! ربّما هذا هو التّفسير الوحيد لمنحه إيّاي رحلةً خاصّة مع سورة هود، والآن أعجز عن وصف عظمة هذه السّورة، لقد سدّت ثقوب روحٍ منهكة وأجابت عن الكثير من أسئلتها، وفوق ذلك أخبرتني عمّا لا أعرفه عن الله، وعن الأنبياء وعن النّاس، لا أدري كيف أصف ما فعلته بي سوى بكتابة شيء من التأمّلات في بعض آيات هذه السّورة .

.

.

” وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ  “

هل أظلم ممّن يفتري على الله ؟ ينسب إليه ما يتعالى الله عنه، يتحدّث كوكيل بين النّاس عن ربّهم، يظلم باسم الله، يستبدّ باسم الله، يقتل باسم الله، يسرق باسم الله، يدخل من يشاء في رحمة الله، ويطرد من يشاء من جنّة الله، ينصّب نفسه وسيطًا بين الآخرين وبين الله: أيّها النّاس، لا تعبدوا الله إلاّ كما أعبده، لا تحبّوه إلاّ كما أحبّه، لا تتعرّفوا إليه إلاّ كما أعرفه، فيسدّ كلّ الطّرق الّتي تؤدّي إلى الله ولا يترك للنّاس إلاّ الطّريق الّذي يظنّه هو صالحًا !

يوم الفصل سوف يأتي كلّ أولئك الّذين خُدعوا وظُلموا باسم الله، سوف يكونون أشهادًا على الظالمين ويلعنونهم، لأنّ وجود أولئك هو من شوّه صورة الله في عيون الكثيرين، ولأنّ الله لا يرضى بأن يشرك به شيء فكيف يرضى عن الّذين نصبوا أنفسهم آلهة للأرض؟

. Read the full post »

هل تؤدّي لي جريمة بسيطة مقابل ٢٠ دولار ؟ #٢

الجماهير المجرمة :

إنّ أقبح الجرائم الّتي حدثت تاريخيًا تلك الّتي ارتكبتها الجماهير تحت التأثير الطاغي لقادتها أو لعقائدها – ليس شرطًا أن تكون عقيدة دينيّة ولكنّها الأقوى تأثيرًا – وقد كان الباحثون النفسيّون في أوروبّا خلال فترة طويلة ينظرون بسلبيّة مطلقة إلى أيّ جمهور من النّاس، فوصفوا الجماهير بالمجانين تارة (سواء أكانوا جماهير كرة قدم أم جماهير تابعين لقائد عسكريّ) ووصفوهم بالرّعاع الهمجيين تارة أخرى، وأخيرًا أصبغوا على الجماهير صفة الإجرام، وأصبحت أيّ مجموعة من النّاس تكوّن جمهورًا – في نظر الكثير من الباحثين – قادرة على ارتكاب أبشع الجرائم .

ونحن نستغرب هذه الفكرة الّتي تتناسى وجود الجماهير الصالحة في الحضارات الإنسانيّة، لكنّنا إذا تأمّلنا في الجرائم الّتي ارتكبتها الجماهير الأوروبّية في العصور الوسطى أو حتّى خلال الثورة الفرنسيّة فسنفهم لماذا فكّر الباحثون بهذه الطّريقة، وسأتحدّث عن جريمة جماهيريّة بشعة حدثت أثناء الثورة الفرنسيّة وذكرها أحد مؤسّسي علم النّفس الاجتماعيّ غوستاف لوبون في كتاب سيكيولوجيا الجماهير .

تُعرف الجريمة باسم ” مذبحة سبتمبّر في باريس” وقد بدأت في تاريخ ٢ سبتمبر من عام ١٧٩٢ واستمرّت لخمسة أيّام متتالية، حدث الهجوم الأوّل حين تمّ نقل ٢٤ من الكهنة إلى سجنٍ يُدعى L’Abbaye ، فهجم عليهم جمهور من الثوّار الفرنسيين النّاقمين على الكنيسة الرومانيّة الكاثولوكيّة – ٣٠٠ من الرّجال الحرفيين والحدّادين والإسكافيين والوسطاء التجاريين وقليل من الأوغاد – ، فقتلوا جميع الكهنة، ثمّ استمرّت المذبحة لتطال ١٢٠٠ من المسجونين من بينهم نساء أرستقراطيّات وما يُقارب المئة طفل .

Read the full post »

هل تؤدّي لي جريمة بسيطة مقابل ٢٠ دولار؟

من الأمور المثيرة للسخريّة في الإنسان اعتقاده الطفوليّ العميق بفلسفة ” الطيّبون والأشرار”، والإنسان في هذه الفلسفة يكون طيّبًا أو شريرًا لأنّه خُلق بإحدى هاتين الصّفتين، فلا يمكن للطيّب أن يرتكب جريمة، ولا يمكن للشرّير أن يتجاوز جرائمه .

هذا الاعتقاد بالذّات يتجذّرٌ في مجتمعنا لأسباب كثيرة، منها طبيعة المجتمع المتديّن الّذي تكفّلت ثقافته بالتدخّل في عدالة الله وتوزيع النّاس بين الجنّة والنّار، ومنها إهماله لتفعيل الدّورالعمليّ الكبير لعلم النّفس وعدم وجود مراكز بحث تهتمّ به، على وجه الخصوص بعلم النّفس الجنائيّ والاجتماعيّ، ومنها الغرق في تفاصيل تافهة غير مجدية عند الحديث/الكتابة عن كلّ جريمة تُرتكب مثل جنس المجرم وجنسيّته والمنطقة الّتي يعود إليها والأسباب الظّاهرة للجريمة … إلخ .

من هنا ينظر كلّ إنسانٍ طيّب ومسالم إلى نفسه وكأنّه في أمانٍ مطلق من ارتكاب الجرائم، ويتوهّم بسذاجة بأنّ المجرمين الّذين يقرأ عنهم في الجرائد قد خلقهم الله أشرارًا ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يتحوّل إلى واحدٍ منهم، بقيتُ لفترة طويلة أفكّر في هذا الأمر، هل يرتكب الإنسان الجريمة لأنّها قدره فحسب؟ تأمّلتُ في مقتل الطّفل أحمد الغامدي على يد زوجة أبيه والجدل الّذي أحدثته هذه القضيّة المحزنة، لقد كتبت الجرائد بأنّها انهارت في قسم الشّرطة وأظهرت ندمًا وحسرة، تذكّرتُ فتاة خميس مشيط الّتي قتلت زوجها ثمّ أصبحت فتاة صالحة في السّجن، أخيرًا توصّلتُ إلى أنّنا – جميعًا دون استثناء – معرّضون لأن نصبح مجرمين إذا توفّرت الظروف والدّوافع الكافية، وآمنتُ أنّ القتل والتدمير والعنف أفعالٌ على بشاعتها ونفور الإنسان السويّ منها إلاّ أنّه قد يرتكبها في لحظة .. لحظة خاطفة جدًا تظهر خلالها المنطقة السّوداء المتراكمة في كلّ إنسان .

.

.

اختبار سجن ستانفورد واختبار ملغرام :

كيف يرتكب المجرمون جرائمهم؟ هل الجريمة حتميّة ترتكبها أنفسٌ غير سويّة، أم أنّ الظروف غير السويّة هي الّتي تصنع من الإنسان العاديّ مجرمًا؟ أسئلةٌ شائكة مثل هذه يتعرّض لها علم النّفس الجنائيّ الّذي وُلد في أمريكا وترعرع في إيطاليا وقُتل في بلادنا :) ، ولا يمكنني – بقلّة اطّلاعي وعلمي – أن أجيب عنها في تدوينة متواضعة، ولكنّي سوف أسرد تفاصيل تجربتين مثيرتين تناولتا هذا الموضوع في زمنٍ قديم .

التّجربة الأولى هي اختبار ملغرام، وقد أجراها العالم ستانلي ملغرام في ستّينات القرن الماضي، ولم يكن يريد الإجابة عن هذه الأسئلة بل عن سؤال مختلفٍ نوعًا ما : هل يصحّ أن نعاقب المجرمين الّذين ينفّذون أوامر رؤسائهم فحسب؟ من هنا ركّزت التّجربة على علاقة التّابع بالمتبوع .

الاختبار ببساطة أُجري على مجموعة متطوّعين ( رجال تترواح أعمارهم بين ٢٠ – ٥٠ سنة ويتفاوتون في مستوياتهم العلميّة والثقافيّة إلى حدّ كبير ) لدراسة استجابتهم لتعليمات الرؤساء الإجراميّة، لدينا في الاختبار الواحد ٣ أشخاص: الرّئيس والتلميذ وهما مشتركين مع ملغرام، والمعلّم الّذي يقوم بدوره المتطوّع الّذي لا يعرف شيئًا عن تفاصيل ما سيحدث، فقد أُوهم مسبقًا بأنّه سيُجري اختبار حول تأثير العقاب على عمليّة التّعليم .

Read the full post »

لا أحمل أخلاقك !

وقف أربعة صبية أمام حشرةٍ مجروحة تتلوّى على الأرض، لا هي إلى الموت ولا هي إلى البقاء، قرّر اثنان منهما قتلها بالحذاء، وقرّر الآخران تركها دون تدخّل .

أمّا الأول فقد قرّر قتلها رحمةً بها من الوجع، وأمّا الثاني فقد قرّر قتلها ليستلذّ بمشهد حيوانٍ ضعيف يموت تحت أقدامه، وأمّا الثالث فقد قرّر تركها لأنّه يؤمن بحقّ كلّ مخلوق في النّزاع من أجل البقاء، وأمّا الرّابع فقد قرّر تركها ليتأمّل ساخرًا منظرها وهي تتقلّب من شدّة الوجع .

هكذا يصبح لدينا صورتين فقط من ردود الفعل تّجاه مشهدٍ واحد، لكنّ هاتين الصورتين تحملان أربعة دوافع مختلفة، وإذا كان لدينا خمسة صبية أو عشرة أو حتّى ألف فسنُفاجئ بردّتي فعل تخبّئان خلفها عدد الصبيّة من الدوافع النفسيّة والنوايا .

الأمر الآخر هو أنّ محاكمة ردّة الفعل دائمًا ما تنخدع بصورته متلبّسةً دوافعنا الخاصّة وتتغافل عن دوافع الفاعل نفسه، فالصبيّ الأوّل سيقف في صفّ الصبيّ الثاني وسيعارض الثالث بكلّ قوّة، لأنّ صورة ردّة فعله تتشابه مع الثاني وتختلف مع الثالث، هكذا يقع فريسة ضعف النّظر البشريّ الّذي كثيرًا ما يحوّله الجهل إلى عمى .

فلسفيًا، تُعرّف المحاكمة الأخلاقيّة الّتي تستند على ظروف الشّخص وتاريخه ودوافعه بالنسبيّة الأخلاقيّة، المتديّنون – بالذّات المسيحيّون – يعارضون هذه النظريّة لأنّ الأديان من وجهة نظر معتنقيها أحاديّة، والمتديّنون يؤمنون بأنّ النسبيّة تهدم الأسس الأخلاقيّة العامّة الّتي جاء بها الأنبياء حين تسند الأخلاق إلى الشّخص نفسه، فالكذب والخداع والخسّة والدناءة تصبح لها مبرّراتها الشخصيّة حين نعول بها إلى الأفراد، لكنّ فلاسفة الأخلاق يردّون هذا الاتّهام بدفاعهم عن المبادئ العامّة – أو المعروفة بالكلّية – مثل : لا تؤذي أحدًا، اعدل بين النّاس، كن رحيمًا .. إلخ .

ما أردتُ قوله باختصار هو : لا تحاكموا النّاس بصور أفعالهم ولا تنظروا إليهم وأنتم ترتدون نظّاراتكم الشخصيّة، استمعوا إلى دوافعهم وتأمّلوا في تاريخهم الفكريّ والعائليّ ثمّ أصدروا أحكامكم، وإذا عجزتم عن معرفة الإنسان فلا تقولوا شيئًا .. أؤكّد لكم حينها بأنّكم لن تجدوا أحدًا لتحاكموه وستعيشون مع الآخرين بسلام  :)

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 37 other followers